قد يجلس شخصان إلى المائدة نفسها، ويتناولان الوجبة نفسها، ثم يخرج أحدهما منها شبعاناً لساعات، بينما يبدأ الآخر بالتفكير في الطعام بعد وقت قصير. هذا الاختلاف قد يبدو للوهلة الأولى مسألة تتعلّق بقوّة الإرادة أو العادات الغذائية، لكنّ الشعور بالجوع أكثر تعقيداً بكثير. فهو نتيجة تفاعل مستمر بين الدماغ والهرمونات والجينات والنوم والنشاط البدني وحتى الحالة النفسية.
يبدأ الإحساس بالجوع عندما يرسل الجسم إشارات إلى الدماغ تفيد بأنّ الوقت حان للحصول على الطاقة. ويلعب هرمون الغريلين دوراً مهمّاً في هذه العملية، إذ يرتفع عادة قبل تناول الطعام وينخفض بعده. وفي المقابل، تساهم هرمونات أخرى، مثل اللبتين وهرمونات الأمعاء، في إرسال إشارات الشبع إلى الدماغ بعد تناول الوجبة.
الاختلافات الفردية ليست دائماً نتيجة خيارات شخصية
لكنّ مستويات هذه الهرمونات واستجابة الجسم لها تختلف من شخص إلى آخر. وهذا أحد الأسباب التي تجعل شخصاً يشعر بالشبع بعد وجبة صغيرة، بينما يحتاج شخص آخر إلى كمّية أكبر من الطعام حتى يصل إلى الإحساس نفسه. كما تلعب الجينات دوراً في تنظيم الشهية والتمثيل الغذائي، ما يعني أنّ الاختلافات الفردية ليست دائماً نتيجة خيارات شخصية.
وتؤثر تركيبة الطعام أيضاً في مدة الشعور بالشبع. فالوجبة التي تجمع البروتين والألياف والدهون الصحية تميل إلى إبطاء عملية الهضم وإطالة الإحساس بالامتلاء. أمّا الوجبات الغنية بالسكّريات والكربوهيدرات المكرَّرة فقد تمنح طاقة سريعة، لكنّها قد لا توفّر الشعور نفسه بالشبع، خصوصاً إذا كانت فقيرة بالبروتين والألياف.
علاقة النوم بالجوع والشبع
ثم يأتي النوم، وهو عامل غالباً ما يتمّ تجاهله. فقد يؤدّي النوم غير الكافي إلى تغيُّر مستويات الهرمونات المرتبطة بالجوع والشبع، كما يزيد المَيل إلى تناول الأطعمة الغنية بالسعرات والسكّريات. لذلك قد يجد الشخص نفسه جائعاً بصورة غير معتادة بعد ليلة سيّئة من النوم، حتى لو لم تتغيَّر كمّية نشاطه
البدني.
والنشاط البدني من جهته يؤثر في الشهية بطريقة تختلف باختلاف نوع التمرين ومدّته والشخص نفسه. فبعض الأشخاص يشعرون بجوع أكبر بعد ممارسة الرياضة، بينما قد تنخفض الشهية موقتاً لدى آخرين بعد النشاط المكثف.
ولا يمكن تجاهل العامل النفسي. فالقلق والملل والضغط النفسي قد تدفع الإنسان إلى تناول الطعام حتى من دون حاجة فعلية إلى الطاقة. كما أنّ بعض الأشخاص يُطوِّرون ارتباطات بين الطعام ومواقف معيّنة، مثل مشاهدة التلفزيون أو العمل أو الشعور بالضيق، فيصبح تناول الطعام استجابة للعادة أو المشاعر أكثر منه للجوع الجسدي.
قوّة الإرادة
لهذا السبب، لا ينبغي مقارنة شهية شخص بآخر أو افتراض أنّ كمّية الطعام المناسبة للجميع واحدة. فالجسم يمتلك منظومة معقّدة لضبط الشهية، وهذه المنظومة تتأثر بعوامل كثيرة لا يمكن اختزالها في «قوّة الإرادة».
في النهاية، الجوع ليس مجرّد صوت تُصدِره المعدة، بل رسالة يشارك في صياغتها الدماغ والهرمونات والعادات والنوم والنشاط والمشاعر. وفهم هذه العوامل قد يساعد الإنسان في التعامل مع شهيّته بواقعية أكبر، بدلاً من اعتبار كل اختلاف في الجوع دليلاً على ضعف الانضباط. أحياناً، يكون الاستماع إلى إشارات الجسم وفهمها أكثر فائدة من محاولة إسكاتها.